تتصاعد التساؤلات في أوساط المحللين والدبلوماسيين حول احتمالية اندلاع صراع عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تاريخ طويل من التوتر والمواجهات غير المباشرة التي امتدت لعقود. لكن رغم حدة الخطاب السياسي والعسكري بين الطرفين، تشير معطيات عديدة إلى أن حرباً شاملة تبقى سيناريو مستبعداً في المدى المنظور.
جذور التوتر التاريخي
منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين، قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل رسمي. تصاعدت التوترات بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة، مع انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، واغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، والهجمات المتبادلة على أهداف عسكرية ومصالح اقتصادية في المنطقة.
في الآونة الأخيرة، شهدت المنطقة سلسلة من الحوادث الأمنية، بما في ذلك استهداف ناقلات نفط، وهجمات بطائرات مسيرة، وعمليات سيبرانية متبادلة. كما أن الدور الإيراني في دعم الفصائل المسلحة في العراق واليمن وسوريا ولبنان يبقى نقطة احتكاك مستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
العوامل التي تحد من احتمالية الحرب
التكلفة الباهظة
يدرك كلا الطرفين أن حرباً شاملة ستكون كارثية اقتصادياً وإنسانياً. بالنسبة للولايات المتحدة، تجربتا العراق وأفغانستان لا تزالان ماثلتين في الذاكرة، مع تكاليف بشرية ومالية فاقت التريليونات. أما إيران، فاقتصادها المنهك بالعقوبات لن يتحمل صراعاً طويل الأمد.
التعقيدات الجيوسياسية
المنطقة تشهد شبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتشابكة. حرب مباشرة قد تجر دولاً أخرى إلى الصراع - من إسرائيل والسعودية من جهة، إلى حلفاء إيران من جهة أخرى. كما أن الوجود الروسي والصيني في المعادلة يضيف طبقة إضافية من التعقيد.
القنوات الدبلوماسية غير المباشرة
رغم غياب العلاقات الرسمية، توجد قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، كعمان وسويسرا والأمم المتحدة. هذه القنوات لعبت دوراً في تهدئة التصعيد في مناسبات سابقة.
المصالح الاقتصادية العالمية
منطقة الخليج تمر عبرها نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية. أي صراع واسع النطاق سيهدد الاقتصاد العالمي في وقت لا يزال يتعافى من تداعيات جائحة كورونا وتبعات الحرب في أوكرانيا.
سيناريوهات المواجهة المحتملة
الحرب بالوكالة (الأرجح)
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار المواجهة غير المباشرة عبر الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً في العراق وسوريا واليمن ولبنان. هذا النمط يتيح لكلا الطرفين إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
التصعيد المحدود
قد تشهد المنطقة ضربات عسكرية محدودة ومحسوبة، كما حدث بعد اغتيال سليماني عندما ردت إيران بقصف قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق. هذه الضربات تهدف لإرسال رسائل سياسية دون إشعال حرب واسعة.
التسوية الدبلوماسية
يبقى الخيار الدبلوماسي قائماً، خاصة مع عودة المفاوضات حول الملف النووي. إدارة بايدن أظهرت استعداداً للحوار، رغم العقبات الكبيرة التي تواجه أي اتفاق جديد.
المتغيرات التي قد تغير المعادلة
بعض العوامل قد تدفع نحو تصعيد خطير:
- تطور البرنامج النووي الإيراني إلى مستويات حرجة قد يدفع إسرائيل أو الولايات المتحدة لعمل عسكري وقائي
- هجوم كبير يؤدي لخسائر أمريكية كبيرة قد يغير حسابات واشنطن
- انهيار اقتصادي في إيران قد يدفع النظام لمغامرة خارجية لتوحيد الجبهة الداخلية
- تغيرات سياسية داخلية في أي من البلدين قد تجلب قيادات أكثر تشدداً
دور اللاعبين الإقليميين
إسرائيل
تعتبر إيران التهديد الوجودي الأول، وتواصل عملياتها السرية ضد المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية. أي تصعيد أمريكي-إيراني سيجر إسرائيل تلقائياً.
السعودية ودول الخليج
تحاول الموازنة بين احتواء النفوذ الإيراني وتجنب صراع مدمر في المنطقة. الحوار السعودي-الإيراني الأخير يعكس محاولات خفض التصعيد.
تركيا والعراق
تلعبان دور الوسيط أحياناً، مع محاولة حماية مصالحهما في أي سيناريو.
التداعيات المحتملة لحرب شاملة
إذا اندلعت حرب مباشرة - رغم ضآلة احتمالها - فالتبعات ستكون كارثية:
- إنسانياً: خسائر بشرية هائلة في المنطقة
- اقتصادياً: ارتفاع جنوني في أسعار النفط، ركود اقتصادي عالمي
- أمنياً: زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، تمدد الجماعات المتطرفة
- بيئياً: كوارث بيئية من استهداف منشآت نفطية وصناعية
الخلاصة: توازن الرعب يمنع الانفجار
رغم الخطاب الناري والمناوشات العسكرية، تشير معظم المؤشرات إلى أن احتمال حرب شاملة بين الولايات المتحدة وإيران يبقى ضئيلاً. كلا الطرفين يدرك أن تكلفة المواجهة المباشرة تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
من المتوقع أن يستمر نمط "الحرب الباردة الإقليمية" - مزيج من المواجهات غير المباشرة، والعقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والعمليات السرية - دون الانزلاق إلى صراع عسكري شامل.
مع ذلك، يبقى الوضع هشاً. أي خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير، أو حادثة أمنية كبيرة، قد يشعل فتيل مواجهة لا يريدها أي من الطرفين، لكنها قد تفرض نفسها بفعل ديناميكيات التصعيد الخارجة عن السيطرة.
المنطقة - والعالم - في حاجة ماسة إلى حكمة سياسية وقنوات حوار فعالة لمنع تحول التوتر الحالي إلى كارثة إنسانية واقتصادية لن ينجو منها أحد.