في عالم يتسارع فيه التدمير البيئي، يقف المصور البريطاني نيك براندت (مواليد 1964) كأحد أبرز الفنانين المعاصرين الذين وثقوا تأثير النشاط البشري على الطبيعة. عبر عدسته، يحول براندت الواقع المرير لتدهور النظام البيئي إلى صور فنية مؤثرة تجمع بين الجمال والحزن، داعياً البشرية إلى التأمل في مسؤوليتها تجاه الكوكب.

البدايات والتحول الفني

ولد نيك براندت في لندن عام 1964، حيث درس الرسم ثم السينما في مدرسة سانت مارتن للفنون. انتقل إلى كاليفورنيا عام 1992 وعمل مخرجاً للعديد من الفيديوهات الموسيقية الحائزة على جوائز لفنانين مثل مايكل جاكسون، وتني هيوستن، وموبي. لكن نقطة التحول الحقيقية في حياته المهنية جاءت عام 1995 عندما كان يخرج فيديو كليب "أغنية الأرض" (Earth Song) لمايكل جاكسون في تنزانيا. هناك، وقع براندت في حب حيوانات ومناظر شرق أفريقيا الطبيعية.


بحلول عام 2001، أدرك براندت أن التصوير الفوتوغرافي هو الوسيلة الأمثل للتعبير عن مشاعره تجاه تدمير العالم الطبيعي. لم يكن هدفه مجرد توثيق الحياة البرية، بل خلق صور تنقل الروح والكرامة الإنسانية للحيوانات، معاملاً إياها ككائنات واعية لا تختلف كثيراً عن البشر.

الأسلوب الفني المميز

تميز براندت بأسلوب فريد في التصوير يخالف المعايير التقليدية لتصوير الحياة البرية. استخدم كاميرا بنتاكس 67II متوسطة الحجم مع فيلم أبيض وأسود، رافضاً استخدام عدسات التكبير أو التلسكوب. كان نهجه بسيطاً لكنه عميق: الاقتراب من الحيوانات لالتقاط أرواحها، تماماً كما يفعل المصور عند تصوير بورتريه لإنسان.


يقول براندت موضحاً فلسفته: "لن تلتقط صورة لإنسان من مسافة مئة قدم وتتوقع أن تلتقط روحه؛ بل ستقترب منه". هذه الفلسفة تجلت في صوره التي تشبه البورتريهات الكلاسيكية، حيث الحيوانات في حالة "وجود" وليس في حركة مثيرة كما هو معتاد في تصوير الحياة البرية.




اختيار براندت للأبيض والأسود لم يكن عشوائياً. فقد أراد تجريد الصورة من العناصر غير الأساسية، مما يجبر المشاهد على التركيز على الأشكال والتكوين داخل الإطار. كما أن هذا الأسلوب يمنح الصور إحساساً بأنها قادمة من حقبة ماضية، كما لو أن هذه الحيوانات قد ماتت بالفعل - وهو شعور يعكس إدراك براندت بأن هذا العالم الطبيعي آخذ في الاختفاء.

الثلاثية الأفريقية (2001-2012)

بدأ براندت مشروعه الفوتوغرافي الأول عام 2001 بهدف توثيق عظمة شرق أفريقيا الطبيعية قبل أن تختفي. أنتجت هذه الرحلة ثلاثة كتب مؤثرة:

على هذه الأرض (2005)
الكتاب الأول يصور أفريقيا كجنة طبيعية، بصور مذهلة للفيلة والأسود والزرافات في موطنها الطبيعي. كُتبت مقدماته من قبل عالمة الرئيسيات جين غودال، الكاتبة أليس سيبولد، والناقدة الفوتوغرافية فيكي غولدبرغ. وصفت مجلة Black and White صوره بأنها "جميلة بشكل محزن".

سقوط ظِل (2009)
الكتاب الثاني يُظهر بداية ظل التأثير البشري على العالم الطبيعي. بين 2005 و2008، استمر براندت في التصوير، لكن الصور أصبحت تحمل طابعاً أكثر قتامة، مشيرة إلى التهديدات المتزايدة التي تواجه هذه الحيوانات.

عبر الأرض المدمرة (2013)
الكتاب الثالث والأخير في الثلاثية يكشف عن الجانب المظلم من رؤية براندت. للمرة الأولى، يُدخل البشر في صوره، مُظهراً تكلفة الصيد الجائر والتدمير البيئي. إحدى الصور الأيقونية هي "حارس مع أنياب الفيل المقتول" (2011)، والتي تظهر أحد حراس مؤسسة Big Life Foundation وهو يحمل أنياب فيل قُتل على يد الصيادين الجائرين.

كتب براندت في هذا الكتاب: "نحن نعيش في نقيض التكوين الآن. استغرق الأمر مليارات السنين للوصول إلى هذا التنوع الرائع، ثم في بضع سنوات قصيرة صادمة، لحظة زمنية لا تُذكر، نقوم بإبادته".

توثيق الدمار - (2016) Inherit the Dust


في عام 2016، أطلق براندت مشروعاً جريئاً بعنوان "Inherit the Dust" (يرثون الغبار). في هذا المشروع، عاد إلى المواقع التي كانت تتجول فيها الحيوانات البرية، فقط ليجدها تحولت إلى مصانع، مقالع، مناطق تطوير حضري، ومناطق نفايات.

ابتكر براندت أسلوباً بصرياً مذهلاً: أقام لوحات بحجم الحياة الطبيعية لصور حيوانات من أعماله السابقة في هذه المواقع المدمرة. النتيجة كانت صوراً بانورامية مؤثرة تظهر الحيوانات الشبحية وسط الخراب، مذكرة بما كان موجوداً وما فُقد.

علقت المخرجة السينمائية كاثرين بيغلو على هذا العمل قائلة: "عمل نيك براندت المروع لكن المذهل يضعنا وجهاً لوجه أمام أزمة، اجتماعية وبيئية على حد سواء".

العالم الفارغ - This Empty World (2019)


انتقل براندت إلى التصوير الملون لأول مرة في مشروع "This Empty World" (هذا العالم الفارغ). في هذه السلسلة، جمع براندت بين لحظتين زمنيتين، غالباً ما تكونان متباعدتين بأسابيع أو أشهر، من نفس موقع الكاميرا الثابت.

الطريقة كانت معقدة: أولاً، يبني براندت مجموعة أولية ويضيء الموقع، ثم ينتظر الحيوانات التي كانت تسكن المنطقة سابقاً لتصبح مرتاحة بما يكفي لدخول الإطار. بمجرد التقاط الحيوانات على الكاميرا، تُبنى مجموعات كاملة - مواقع بناء جسور وطرق سريعة، محطات بنزين، محطات حافلات وغيرها. ثم يُصور تسلسل ثانٍ مع المجموعة الكاملة ومجموعة كبيرة من الأشخاص من المجتمعات المحلية.

النتيجة هي صور مركبة قوية تُظهر الحيوانات والبشر في نفس المشهد، مؤكدة أن البشر والحيوانات هم ضحايا هذا العالم الخارج عن السيطرة.

مؤسسة Big Life Foundation: من التصوير إلى الفعل


في سبتمبر 2010، اتخذ براندت خطوة حاسمة نحو النشاط البيئي الفعلي. بعد أن شهد مقتل العديد من الفيلة التي صورها على يد الصيادين الجائرين، شارك في تأسيس مؤسسة Big Life Foundation مع خبير الحفاظ على البيئة ريتشارد بونهام ورجل الأعمال توم هيل.

القصة الشخصية التي دفعت براندت لهذا القرار مؤثرة: كان قد صور فيلاً يدعى "إيغور" عام 2007، وهو فيل عاش 49 عاماً في سهول شرق أفريقيا. في أكتوبر 2009، قُتل إيغور على يد الصيادين الجائرين للحصول على عاجه. هذه الخسارة، وخسائر مماثلة أسبوعياً في نظام أمبوسيلي البيئي، دفعت براندت للعمل.

كانت Big Life Foundation أول منظمة في شرق أفريقيا تنشئ عمليات مكافحة الصيد الجائر المنسقة عبر الحدود بين كينيا وتنزانيا. النهج كان شاملاً: إنشاء فرق حراس مجهزة بالكامل في نقاط محورية في جميع أنحاء منطقة تزيد عن مليوني فدان.

النتائج كانت مذهلة. منذ تأسيسها، نجحت المؤسسة في تقليل الصيد الجائر بشكل كبير في النظام البيئي. اليوم، توظف المؤسسة أكثر من 300 حارس محلي، معظمهم من الماساي، يحمون حوالي 1.6 مليون فدان من البرية.

نهج شامل للحفاظ على البيئة


لا تقتصر Big Life على مكافحة الصيد الجائر. تتبنى المؤسسة نهجاً شاملاً يركز على العمل مع المجتمعات المحلية:

  • بناء أسوار لمنع الفيلة من مداهمة محاصيل المزارعين، مما يحمي الفيلة من الانتقام

  • تقديم تعويضات مالية للرعاة الذين يفقدون ماشيتهم بسبب الأسود والحيوانات المفترسة الأخرى

  • تمويل رواتب المعلمين وتوفير منح دراسية للطلاب المحليين

  • إجراء ورش عمل حول الحفاظ على البيئة

يؤمن براندت بأن "الحفاظ على البيئة يدعم الناس، والناس يدعمون الحفاظ على البيئة". هذه الفلسفة أصبحت نموذجاً يمكن تكراره في جميع أنحاء القارة الأفريقية.


The Day May Break (2020-الآن): سلسلة عالمية


في عام 2020، بدأ براندت مشروعاً عالمياً طموحاً بعنوان "The Day May Break" (قد ينكسر النهار)، يوثق تأثير تغير المناخ والتدهور البيئي على كل من البشر والحيوانات في مختلف أنحاء العالم.

الفصل الأول: كينيا وزيمبابوي (2021)

التقط براندت صوراً في خمسة محميات ومحافظات، جامعاً بين الحيوانات المهددة التي تعيش في ملاذات الحياة البرية والأشخاص الذين عانوا من آثار تغير المناخ - مثل المزارعين المشردين والمفقرين بسبب سنوات من الجفاف الشديد.

الناس والحيوانات صُوروا معاً في نفس الإطار في نفس الوقت، مع ضباب طبيعي يغلف المشهد، مما يخلق إحساساً بالتعليق الزمني ويؤكد على الضعف المشترك. كتبت المؤلفة يفون أدهيامبو أوور في مقدمة الكتاب: "نيك براندت فنان وشاهد يلتقط المصائر القاتمة واليائسة، ويحولها بغموض وسحر إلى لفتة من الجمال المؤثر والمؤلم".

الفصل الثاني: بوليفيا (2022)

واصل براندت نفس النهج، مصوراً الأشخاص والحيوانات المتأثرين بالتدهور البيئي في بوليفيا. الحيوانات المستخدمة في الصور هي حيوانات معتادة على البشر ولا يمكن إطلاقها في البرية، مما جعل من الآمن وضعها بالقرب من الغرباء البشر.

الفصل الثالث: SINK / RISE - فيجي (2023)

يمثل هذا الفصل تحولاً في أسلوب براندت. للمرة الأولى، صور البشر فقط دون حيوانات. ركز على سكان جزر المحيط الهادئ المتأثرين بارتفاع مستويات المحيطات بسبب تغير المناخ.

تم تصوير السكان المحليين تحت الماء في المحيط قبالة ساحل جزر فيجي. الأمر المذهل أن الأشخاص في هذه الصور، رغم أنهم على عمق عدة أمتار تحت السطح، لا يطفون أو يسبحون. بل يجلسون على أرائك، يقفون على كراسي، يستخدمون الأراجيح، ويتخذون أوضاعاً كما لو كانوا على الأرض. التأثير غير عالمي، كما لو أن قوانين الفيزياء المألوفة قد توقفت في هذه المنطقة الغريبة الحدية بين الأرض والبحر.

كل شيء تم تصويره في الكاميرا تحت الماء، وهو إنجاز تقني وفني استثنائي. هؤلاء الأشخاص يمثلون الكثيرين الذين ستُفقد منازلهم وأراضيهم وسبل عيشهم في العقود القادمة مع ارتفاع المياه.

الفصل الرابع: The Echo of Our Voices - الأردن (2024)

في أحدث فصل من السلسلة، وجه براندت عدسته نحو العائلات السورية النازحة في الأردن، التي لا تزال حياتهم متأثرة بالقوى المزدوجة للحرب وتغير المناخ.

تم التقاط الصور في صحاري جنوب الأردن، وتحديداً في وادي رم. تهدف أكوام الصناديق التي تجلس وتقف عليها العائلات معاً نحو السماء - عمودية تعني المزيد من الإحساس بالقوة أو التحدي - وتوفر منصات لأولئك الذين عادة ما يكونون غير مرئيين وغير ملحوظين في مجتمعنا. ليسوا جنرالات أو سياسيين من التاريخ، بل بشراً يستحقون مكانهم في العالم على قدم المساواة.

الفلسفة الفنية والرسالة


عبر كل أعماله، يحمل براندت رسالة واضحة: البشر والحيوانات كائنات واعية متساوية في الاستحقاق للحياة والرعاية. يقول: "أعتبر البشر والحيوانات متماثلين - كائنات واعية يجب أن تكون على قدم المساواة فيما يتعلق باحترام الحياة والرفاهية. الذكاء - على الأقل النوع من الذكاء الذي نعترف به - لا ينبغي أن يكون له أي تأثير".

تطورت أعماله من تصوير العالم الطبيعي كجنة (في الكتاب الأول)، إلى إظهار ظل التدمير البشري (في الكتاب الثاني)، ثم إلى التوثيق الصريح للخراب (في الكتاب الثالث وما بعده). هذا التطور المتعمد يعكس إدراك براندت المتزايد لسرعة التدمير البيئي.

كتب في "Inherit the Dust": "نحن نعيش في نقيض التكوين الآن. استغرق الأمر مليارات السنين للوصول إلى مكان بهذا التنوع الرائع، ثم في بضع سنوات قصيرة صادمة، لحظة زمنية لا متناهية في الصغر، نُبيد ذلك".

لكن رغم قتامة الموضوع، لا تخلو أعمال براندت من الأمل. يقول: "إذا كانت هناك رسالة واحدة شاملة، فهي أننا بحاجة إلى أن نكون رعاة أفضل بكثير للأرض. أننا جميعاً بحاجة إلى تعلم أن نكون أسلافاً صالحين، مراعين ليس فقط لأولئك الأحياء الآن، ولكن لجميع أولئك الذين لم يولدوا بعد، والذين سيتعرضون لتأثير السلوك البشري الآن".

التأثير والإرث


حظيت أعمال نيك براندت بمعارض منفردة في صالات ومتاحف حول العالم، بما في ذلك نيويورك، لندن، برلين، ستوكهولم، شنغهاي، أوسلو، باريس ولوس أنجلوس. صوره معروضة في مجموعات دائمة في متاحف فنية كبرى، وقد نُشرت جميع سلاسله في شكل كتب.

يصف المؤرخ الفوتوغرافي فيليب برودجر مشروع "The Day May Break" بأنه "عمل بارز من قبل أحد أبطال التصوير البيئي العظماء. يصور براندت الناس والحيوانات معاً، مما يجعلنا نتأمل في العواقب الواقعية لتغير المناخ. بتوجيه غضبه إلى عزم هادئ، النتيجة هي صورة لنا جميعاً، في لحظة حرجة من الأنثروبوسين".

الناقد جيم كاسبر من LensCulture كتب: "المطبوعات الناتجة بحجم الجدار جميلة ومذهلة بشكل لا تشوبه شائبة، وكذلك مزعجة بعمق. إنها تنقل المساحات الشاسعة والضوء في أفريقيا المعاصرة مع انغماس سينمائي وتفاصيل لا تصدق. عند الوقوف أمام صوره، يُنقل المشاهد إلى المشاهد - أحياناً بالدهشة والروعة والفرح، وأحياناً أخرى بالحزن الشديد واليأس والاشمئزاز".

الخاتمة


نيك براندت ليس مجرد مصور للحياة البرية؛ إنه شاهد على عصرنا، وناشط بيئي، وفنان يستخدم عدسته كأداة للدعوة والتغيير. من خلال صوره المؤثرة التي تجمع بين الجمال البصري والمحتوى المدمر، يجبرنا براندت على مواجهة الحقيقة القاسية: أننا نعيش في عصر الانقراض الجماعي السادس، وأن الوقت ينفد.

لكن في نفس الوقت، يذكرنا براندت من خلال عمله مع مؤسسة Big Life Foundation بأن التغيير ممكن عندما نتحول من الغضب السلبي إلى الفعل النشط. كما يقول: "لا فائدة من أن تكون غاضباً وسلبياً. من الأفضل بكثير أن تكون غاضباً ونشطاً".

في نهاية المطاف، أعمال نيك براندت هي دعوة عاجلة للإنسانية لإعادة النظر في علاقتنا بالعالم الطبيعي، والاعتراف بترابط جميع أشكال الحياة، والعمل بجدية للحفاظ على ما تبقى قبل فوات الأوان. إنها ليست مجرد صور؛ إنها شهادة على عصرنا وإرث للأجيال القادمة - تذكير بما كان موجوداً، وما فقدناه، وما لا يزال بإمكاننا إنقاذه.