السوداني يتنازل للمالكي في خطوة مفاجئة، وواشنطن تحذر من حكومة موالية لإيران

يمر العراق بمنعطف سياسي حاسم، حيث تتشابك خيوط تشكيل الحكومة الجديدة في متاهة من التحالفات المتقلبة والحسابات الإقليمية والدولية. فبعد انتخابات نوفمبر ٢٠٢٥ التي شهدت نسبة مشاركة بلغت ٥٦٪ — بزيادة ١٢ نقطة مئوية عن انتخابات ٢٠٢١ — لم يحصل أي حزب على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة منفرداً، ما فتح الباب أمام مفاوضات ماراثونية لا تزال مستمرة حتى اللحظة.

نتائج الانتخابات: خريطة سياسية معقدة


جاء ائتلاف "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في المرتبة الأولى بحصوله على ٤٦ مقعداً من أصل ٣٢٩ في البرلمان الجديد. وتلاه ائتلاف "دولة القانون" برئاسة نوري المالكي بـ ٢٩ مقعداً، ثم حزب "تقدم" السني بـ ٢٨ مقعداً، والحزب الديمقراطي الكردستاني بـ ٢٦ مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني بـ ١٥ مقعداً.

نوري المالكي يدلي بصوته في الانتخابات


غير أن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة موازين القوى داخل البرلمان. فالأحزاب الموالية لإيران، بما فيها "دولة القانون" وحركة "الصادقون" التابعة لعصائب أهل الحق، تسيطر مجتمعةً على ما يقارب ثلث مقاعد البرلمان. وتشكّل هذه القوى العمود الفقري لـ"الإطار التنسيقي" الشيعي، التحالف الأكبر الذي يُمسك بمفاتيح تشكيل الحكومة.

تنازل السوداني: مفاجأة هزّت المشهد السياسي


في تطور لم يكن متوقعاً، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في منتصف يناير ٢٠٢٦ تنازله عن الترشح لولاية ثانية لصالح منافسه نوري المالكي. جاءت هذه الخطوة خلال اجتماع غير رسمي لقادة الإطار التنسيقي، حيث فاجأ السوداني الحاضرين بإعلانه.

وقال المتحدث باسم ائتلاف الإعمار والتنمية، فراس المسلماوي، إن "هذا ليس ضعفاً، بل قوة سياسية"، مؤكداً أن القرار يجسّد مبدأ "العراق أولاً" ويأتي تقديراً لخبرة المالكي السياسية والإدارية. وأضاف أن السوداني أبلغ الجميع بأنه "في حال لم يتمكن المالكي من تشكيل الحكومة، فإن الأمور تعود إليه بوصفه الفائز الأول".

لكن وراء هذا الإعلان تكمن حسابات أعمق. فالسوداني واجه معارضة شرسة من داخل الإطار التنسيقي لتجديد ولايته، إذ سعى المالكي طوال الفترة الماضية إلى تقويض نفوذه. ففي عام ٢٠٢٤، حاول المالكي الضغط على السوداني للاستقالة على خلفية فضيحة التنصت التي طالت قيادات في الإطار التنسيقي، بمن فيهم المالكي نفسه وصهره. لكن السوداني رفض الانصياع، بل شكّل في مايو ٢٠٢٥ تحالفه السياسي الخاص من خلال بناء شبكة علاقات مع محافظي البصرة وكربلاء وواسط، ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، ووزير النفط حيان عبد الغني.

المالكي: عودة مثيرة للجدل بعد ١٢ عاماً


نوري كامل محمد حسن المالكي، المولود في كربلاء عام ١٩٥٠، يحمل شهادة البكالوريوس من كلية أصول الدين في بغداد والماجستير في اللغة العربية من جامعة صلاح الدين في أربيل. انضم إلى حزب الدعوة الإسلامية عام ١٩٧٠، وغادر العراق عام ١٩٧٩ بعد صدور أحكام إعدام بحق أعضاء الحزب من نظام البعث.

شغل المالكي منصب رئيس الوزراء لولايتين متتاليتين من ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٤. في البداية، اعتبرته واشنطن "رجلنا في العراق"، وكان يجري مكالمات فيديو منتظمة مع الرئيس جورج بوش الابن الذي وصفه بأنه "رجل طيب يتولى مهمة صعبة". لكن تقييم واشنطن له تغيّر جذرياً مع مرور الوقت.

يُحمّل كثيرون المالكي مسؤولية تعميق الانقسام الطائفي في العراق، وتغذية الفساد، وتصعيد التوترات مع الجيران السنة. كما يُنظر إلى سياساته في تهميش السنة باعتبارها العامل الرئيسي الذي مهّد لاجتياح تنظيم داعش عام ٢٠١٤ وسيطرته على مناطق واسعة في شمال وغرب العراق. وفي عام ٢٠١٥، دعت لجنة برلمانية عراقية إلى محاكمة أكثر من ٣٠ مسؤولاً، من بينهم المالكي، لتورطهم في سقوط الموصل بيد التنظيم الإرهابي.

خرج المالكي من السلطة عام ٢٠١٤ تحت ضغط أمريكي مباشر. ومنذ ذلك الحين، شغل منصب نائب رئيس الجمهورية بين ٢٠١٤-٢٠١٥ وبين ٢٠١٦-٢٠١٨. وطوال هذه السنوات، أتقن ما يصفه المحلل السياسي لوك غفوري بـ"كتاب اللعب السياسي": رفع رئيس وزراء "قابل للإدارة"، ثم العمل تدريجياً على إضعافه وعزله. "فعل ذلك مع حيدر العبادي، ويفعله الآن مع السوداني".

الإطار التنسيقي: تحالف المصالح المتضاربة


يُشكّل الإطار التنسيقي الشيعي المظلة الكبرى التي تجمع معظم الأحزاب الشيعية الفائزة في الانتخابات، بما فيها فصائل مسلحة موالية لإيران. وقد أعلن هذا التحالف في ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥ تشكيله للكتلة النيابية الأكبر، ما يمنحه الحق الدستوري في ترشيح رئيس الوزراء المقبل.

لكن الإطار ليس كتلة متجانسة. فهو يضم قوى ذات مصالح متباينة، ودعم كل منها للمرشح النهائي مرهون بصفقات توزيع المناصب والنفوذ. وقد وضع الإطار قائمة تضم نحو ٣٠ مرشحاً محتملاً لرئاسة الوزراء، من بينهم السوداني والمالكي، إضافة إلى أسماء أخرى مثل رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، ووزير الرياضة السابق عبد الحسين عبطان، ومحافظ البصرة أسعد العيداني، ومستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي.

وبحسب عبد الرحمن الجزائري، عضو الإطار التنسيقي، فإن المعايير المتفق عليها لاختيار رئيس الوزراء القادم "لا تنطبق على السوداني ولا على المالكي". وكشف أنه في حال لم يتنازل أي منهما للآخر، فإن الإطار سيتجه على الأرجح نحو مرشح توافقي معتدل يحظى بقبول جميع الفصائل السياسية. وأفادت مصادر بأن قائمة مختصرة تضم ٩ مرشحين تجري مناقشتها حالياً داخل الاجتماعات السياسية.

العامل الصدري: الغائب الحاضر


قاطع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر انتخابات نوفمبر ٢٠٢٥، بعد أن كان قد انسحب من البرلمان جماعياً في يونيو ٢٠٢٢ وسط أزمة تشكيل الحكومة. هذا الغياب أضعف التنافسية داخل الساحة الشيعية ومنح الإطار التنسيقي مساحة أوسع للمناورة. لكنه في الوقت ذاته يُثقل كاهل أي حكومة قادمة بغياب تيار شعبي واسع عن العملية السياسية.

ومن غير المرجح أن يقبل الصدر بعودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، نظراً للعداء التاريخي بينهما. وقد أشار عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة الوطني، إلى ضرورة استشارة المرجعية الدينية العليا في النجف قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن ترشيح المالكي، في إشارة إلى حساسية هذا الملف وتداعياته.

ردود الفعل الدولية: تحذيرات أمريكية وحياد إيراني معلن


أثارت التطورات الأخيرة قلقاً واضحاً في واشنطن. فقد حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تشكيل حكومة عراقية موالية لإيران. وفي مكالمة هاتفية مع السوداني، أعرب روبيو عن أمله في أن تعمل الحكومة المقبلة على جعل العراق "قوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط".

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول عراقي أن الولايات المتحدة أرسلت رسالة إلى العراق مفادها أنها "تستذكر فترة الحكومات السابقة التي ترأسها المالكي بصورة سلبية". وجاء في الرسالة: "إن اختيار رئيس الوزراء المكلّف وغيره من المناصب القيادية هو قرار سيادي عراقي. وبالمثل ستتخذ الولايات المتحدة قراراتها السيادية تجاه الحكومة المقبلة بما ينسجم مع المصالح الأمريكية".

كما صرّح المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك بأن "تشكيل العراق لحكومة تُواصل نهج التعاون مع جيرانها والغرب، هو مفتاح الاستقرار والازدهار الإقليميين". وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن قالت إنه "لا ينبغي للسياسيين المرتبطين بالميليشيات أن يتولوا مناصب وزارية"، ما يُشير إلى أن لا المالكي ولا السوداني قد يكونان مقبولَين لدى الإدارة الأمريكية.

في المقابل، تبنّت إيران موقفاً حيادياً معلناً. فقد قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن ما يحدث بشأن تشكيل الحكومة في العراق "شأن داخلي يخص الشعب العراقي فقط"، مؤكداً أن إيران "عازمة على احترام قرارات الشعب العراقي، خلافاً لنهج الولايات المتحدة الأمريكية".

التحديات البنيوية: ما وراء الأسماء


يرى الباحث يريفان سعيد من المجلس الأطلسي أن السؤال الجوهري ليس ما إذا كان السوداني يشبه المالكي، بل ما إذا كانت ولاية ثانية لأي منهما ستُقلّص المنافسة وتُضعف المؤسسات. فالنظام السياسي العراقي يتسم بضعف آليات الرقابة والتوازن، والدولة تُعامَل كمصدر للمكاسب من قبل النخبة السياسية.

 "هذا هو الدرس الرئيسي من ولاية المالكي الثانية، التي يمكن وصفها بالمنحدر الزلق نحو نهاية العراق كدولة موحدة"، يقول سعيد. "المشكلة لم تكن في أسلوب قائد بعينه، بل في فشل المؤسسات في منع تشخيص السلطة عندما يبقى شخص ما في المنصب لفترة طويلة".

يُضاف إلى ذلك أن دعم السوداني يأتي من الإطار التنسيقي الذي يجمع فصائل ذات مصالح متباينة، بما فيها فصائل قريبة من إيران. هذا التحالف قائم على المساومة أكثر منه على الوحدة، ما يجعل الأهداف الفردية غالباً ما تتراجع أمام ديناميكيات المجموعة.

السياق الإقليمي: متغيرات جديدة


تأتي أزمة تشكيل الحكومة في ظل تحولات إقليمية عميقة. فسوريا اليوم يحكمها أحمد الشرع وليس بشار الأسد، وإيران فقدت نفوذها على قرار دمشق. الفصائل المسلحة التي كانت تقاتل إلى جانب قوات النظام السوري غادرت وعادت إلى قواعدها في العراق. وفي الوقت ذاته، أتمّت القوات الأمريكية انسحابها من قاعدة عين الأسد في الأنبار، تاركةً المجال للجيش العراقي للسيطرة الكاملة.

كما حذّر قائد كبير في كتائب حزب الله العراقية من أنه "إذا نفذت الولايات المتحدة هجوماً ضد إيران، فإننا سنستهدف قواعدها العسكرية في العراق والدول المجاورة بالصواريخ والطائرات المسيّرة". هذا التصريح يضع العراق في موقف حرج، خاصة مع تصاعد التوترات الأمريكية-الإيرانية في المنطقة.

إقليم كردستان: أزمة موازية


لا تقتصر أزمة تشكيل الحكومة على بغداد. فإقليم كردستان العراق يعاني بدوره من جمود سياسي منذ انتخابات ٢٠٢٤، حيث لم تتشكل حكومة الإقليم بعد. هذا الشلل المزدوج في بغداد وأربيل يُعقّد المشهد السياسي العراقي برمته، خاصة فيما يتعلق بالملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، كالنفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها.

ما الذي ينتظر العراق؟

يقول الخبير سجاد جياد من مؤسسة "سنتشري": "المالكي لا يحظى بدعم واسع داخل العراق أو خارجه. ولايته الثانية كرئيس للوزراء كانت كارثية. قد يُلغي السوداني والمالكي بعضهما البعض، ومرشح التسوية لا يزال الاحتمال الأرجح".

ويُضيف: "رغم انسحابه الظاهري من السباق، لا يزال السوداني يطمح للبقاء في المنصب، وهو ما يسعى قادة الإطار الآخرون لتجنبه". هذا التنافس الخفي يُنذر بمفاوضات مطوّلة قد تستمر لأشهر، على غرار ما حدث في دورات سابقة حيث استغرق تشكيل الحكومة ثمانية أشهر عام ٢٠١٠ وأحد عشر شهراً في ٢٠٢١-٢٠٢٢.

في نهاية المطاف، يقف المالكي في موقع قوي للتأثير على اختيار رئيس الوزراء القادم، لكنه ليس كليّ القدرة. فلكي يتولى مرشحه المفضل المنصب، عليه التنسيق مع فاعلين شيعة آخرين يستاؤون من دوره المتضخم، وعلى رأسهم مقتدى الصدر الذي من غير المرجح أن يقبل عودته. كما يحتاج إلى موافقة إيران والولايات المتحدة معاً. نتيجة كل هذا، يبقى مرشح التسوية الاحتمال الأكثر ترجيحاً.

خلاصة


تحالف المالكي والسوداني، رغم مظهره التوافقي، قد يكون في حقيقته مناورة لقطع الطريق أمام الأطراف الهامشية التي بدأت تعيش لحظات "الغرور السياسي" وتسعى لفرض إرادتها على اختيار رئيس الوزراء. لكن هذا التحالف الهش يظل رهيناً بتوازنات دقيقة داخلية وإقليمية ودولية.

المعادلة السياسية في الداخل العراقي هي الأكثر تعقيداً في ٢٠٢٦. وبين تحفظ المرجعية الدينية، وغموض موقف التيار الصدري، والانقسام داخل القوى الشيعية، والضغوط الأمريكية، يبقى مسار تشكيل الحكومة مفتوحاً على احتمالات متعددة قد تُعيد المشهد السياسي العراقي إلى مربع التعقيد والانتظار.